|
يسجل لدولة الامارات العربية المتحدة الشقيقة انها
تحولت الى نموذج مثير للاهتمام والدراسة في اكثر من موقع اقتصادي او تجاري,
وذلك بسبب ما اظهرته هذه الدولة،
من قدرة على محاكاة
الكثير من معطيات العصر ومتطلباته من جهة, ولقصر عمر الدولة الحديثة الذي
لا يزيد على ثلاثة عقود من جهة اخرى.
ففي الثاني من شهر
ديسمبر عام 1971م اعلن عن قيام دولة الامارات العربية المتحدة من ست امارات
هي: ابوظبي, دبي, الشارقة, عجمان, أم القيوين والفجيرة. وفي شهر فبراير من
عام 1972 التحقت امارة رأس الخيمة بركب الاتحاد ليصبح سباعيا.
وقد جاء تأسيس الدولة
قبل نحو ثلاثين عاما, بعد ان اعلنت حكومة العمال البريطانية عزمها على
الانسحاب من الخليج في العام 1968م. ومنذ ذلك الحين جرت محاولات لتشكيل
اتحاد للامارات, بدأ ثنائيا بين امارتي ابوظبي ودبي, وكانت المساعي تنزع
لتشكيل اتحاد تساعيا يضم, الى جانب الامارات السبع المكونة للدولة حاليا,
كلا من البحرين وقطر, الا ان الاخيرتين ولاسباب عديدة ارتأتا اعلان
استقلالهما وتشكيل الدولة الحديثة في كل من المنامة والدوحة.
ومع بداية التأسيس مرت
دولة الامارات بارهاصات التأسيس التي تمر بها اي دولة خارجة لتوها من
استعمار بريطاني دام عشرات السنين, الا ان الامارات كان امامها مشروع وحدوي
تدخل في اطاره كل امارات الخليج التي تعتزم بريطانيا, وقتها, الانسحاب
منها. فجاء الدستور المؤقت, وتشكل المجلس الاعلى الذي يضم حكام الامارات
السبع, وبدأت الدولة الحديثة بالتشكل رغم الصعوبات التي واجهتها في السنوات
الاولى خاصة في الجوانب الاقتصادية, حيث كان النفط يشكل العمود الرئيسي
للايرادات, ولا يزال حتى الآن, الا ان الطفرة النفطية التي حصلت في منتصف
السبعينيات, بعيد حرب اكتوبر المجيدة واثر استخدام سلاح قطع النفط عن الدول
الداعمة للكيان الصهيوني.. قد ضاعف من دخل الدول النفطية وخاصة دول الخليج
التي شهدت جميعها طفرة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وتبعتها بتغير
كبير في نمط الحياة الاستهلاكية.
لقد تمكنت دولة الامارات
خلال العقود الثلاثة الماضية من تثبيت موقع متميز على الخريطة الاقليمية
والعالمية وفي اكثر من مستوى, لدرجة ان العديد من الدول تدرس هذه التجربة,
وبعضها الآخر يسعى لمحاكاة التجربة في بعض المجالات وتطبيقها على واقعها
المحلي. فبفضل نعمة النفط التي حباها الله على الامارات, استطاعت هذه
الدولة الصغيرة بحجمها والكبيرة بامكانياتها من وضع بنية تحتية تنافس بها
دول العالم, اذ اهتمت الحكومة المركزية وحكومات الامارات بالجانب التعليمي
الذي يشكل العنصر الاساسي في تطور اي مجتمع, فزادت المدارس بشكل ملحوظ,
وتمكنت الدولة من الوصول الى التعليم المجاني للجميع, حيث تصل نسبة القيد
الاساسي في المدارس الابتدائية الى 100% وهي خطوة حاسمة في القضاء على
الامية وشهدت موازنة التعليم زيادة متواصلة, لتشكل قرابة 15% من الميزانية
العامة للدولة, وزاد عدد الطلبة في جامعة الامارات التي افتتحت في العام
الدراسي 77 ــ ,1978 ليصل الى اكثر من سبعة عشر ألف طالب وطالبة, تشكل
الطالبات نسبة الضعف تقريبا وهذه ايضا حالة لافتة في المجتمع الاماراتي
ازاء مسألة مواصلة المرأة لتعليمها العالي.
وفي الحقل الصحي تضاعف
الاهتمام به توافقا مع زيادة ايرادات الدولة, فتوزعت المستشفيات التي يصل
عددها الى اكثر من ثلاثين مستشفى في مختلف المناطق, مدعومة بمراكز صحية تصل
الى نحو مئة مركز صحي.
ومع المنافسة الشديدة
بين الدول لاجتذاب المزيد من الاستثمارات الاجنبية والمحلية, تبوأت
الامارات, وخاصة امارة دبي موقعا متميزا في حقل التجارة والسياحة, فقد
انتزع مطار دبي الدولي جائزة ثاني افضل مطار في العالم, وتمكنت شركة طيران
الامارات من الحصول على افضل خطوط جوية للرحلات متوسطة المدى لهذا العام,
وتبوأت الامارة موقع افضل وجهة سياحية في الشرق الاوسط, وافضل مقصد سياحي
يروج لنفسه في المنطقة.
اما في مصادر الدخل, فقد
خطت الامارات خطوات مهمة في هذا الجانب قياسا لدول مجلس التعاون الخليجي,
حيث تشكل الايرادات النفطية بالدولة 45 % من الايرادات العامة وأكثر من 51
% من اجمالي النفقات العامة, في الوقت الذي تصل فيه نسبة الايرادات النفطية
بدول التعاون الى 80% من ايرادات الموازنات السنوية.
وبالرغم من ان الايرادات
النفطية تشكل العنصر الحاسم المحرك للاقتصاد بما فيها القطاعات غير النفطية
الا ان الامارات تمكنت من تخفيض نسبة الاعتماد على النفط, حيث نمت القطاعات
غير النفطية بنسبة 5.3% وحقق قطاع الصناعات التحويلية نحو نسبة 7%.
وفي سياق الطفرة الحاصلة
في اسعار النفط, والتي من المتوقع ان تصل الى 150 مليار دولار هذا العام,
في دول مجلس التعاون سوف يزداد ايراد الامارات من النفط ليصل الى 23 مليار
دولار مقابل 14 مليار دولار للعام الماضي, الامر الذي سوف يخلق المزيد من
الفرص الاستثمارية, وسيحرك وضع القطاعات الاقتصادية بعد ان شهدت خمولا في
العامين الماضيين تأثرا بالانهيار السعري للنفط الذي استمر من نهاية ,1997
حتى الربع الاول من العام المنصرم.
ولهذا السبب حافظت
الامارات على قدرة عالية في الاستثمار في القطاع النفطي والغاز حيث يشكل
هذا الحقل نسبة تزيد على 69% من اجمالي الصادرات, ويشكل الاحتياطي
الاماراتي من النفط نسبة 10% من المخزون العالمي بينما يصل احتياطي الغاز
الطبيعي الى قرابة 800 مليار متر مكعب يشكل ثالث احتياطي في العالم بعد
ايران وقطر.
ولا شك ان الصورة ليست
وردية كما يتوقع البعض, فالتحديات في المجتمعات الحية تفرض مزيدا من الجهد
والعمل المتواصل للحفاظ على المكانة المتميزة, والمراجعات المستمرة للاداء
الاقتصادي والاجتماعي والسياسي هي السمة الرئيسية لأي مجتمع ينزع نحو
التطور الدائم والوصول الى اهدافه المشروعة, وبمدى توافقه مع المعايير
الدولية للتنمية البشرية المستدامة.
الا ان المعطيات
والمؤشرات الحالية تؤكد على جملة من المسائل المهمة, حيث تمكنت الامارات من
ولوج التجارة الالكترونية لتتبوأ موقعا مهما ورئيسيا في المنطقة ويبدو ان
امارة دبي قد حسمت امرها لتكون مركزا اقليميا في الشرق الاوسط, ليس فقط في
اعادة التصدير والترانزيت التي بدأت منذ مطلع الثمانينيات, ولكن ايضا في
تجارة الجملة والتجزئة والخدمات الاخرى, ما يبشر بواقع جديد يدعـو التوقف
عنده مليا وفحصه من اجل تحقيق اعلى معدلات النمو في الحقول الجديدة التي
ولجتها دبي وبعض الامارات الاخرى.
نخلص الى القول بأن
الامارات تدخل الألفية الثالثة
بقوة أكبر معززة بإنجازات
كبيرة عجزت دول كبرى عن تحقيقها في هذه الفترة القصيرة من الزمن.
|